العلم والنجامة

لخص الفلكي بيلي  رأي الفلكيين بالتنجيم بقوله إن النجامة هي أطول مرض أصاب المنطق ويقول لابلاس: لقد إستمرت النجامة حتى نهاية القرن السابع عشر وهو العصر الذي بدأت تنتشر فيه معرفة النظام الصحيح للعالم التي دمرت هذه النجامة إلى غير رجعة! هكذا يجزم الفلكيون والعلماء، وهم محقون، إن النجامة لم تستطع مجارات وتمثل الاكتشافات العلمية الحديثة، وأهم الحجج التي يقدمونها هي أن مفهوم البرج الذي ترتكز عليه النجامة هو مفهوم خاطئ علمياً، كان الأقدمون يتصورون القبة السماوية مثل سطح كرة أملس ثُبتت عليه النجوم بحيث أنها تبعد كلها بعداً متساوياً عن الأرض التي تقع في مركز هذه القبة، وكان القدماء يعتبرون أن كل ما يقع من هذه القبة إنما يكون بفعل إلهي غرضه معاقبة الأرواح الشريرة! ولا يزال المنجمون حتى الآن يعتمدون على هذه الأسس في فهم العالم كما وفي قراءة الطالع، لكن العلم بيّن منذ نحو أربعة قرون أن مسافات النجوم مختلفة جداً في بعدها عن الأرض، هذا ناهيك عن أنه لا الأرض ولا حتى الشمس تقعان في مركز الكون، إن عشرات ومئات وآلاف السنين الضوئية تفصل عنا النجوم التي نراها في السماء بالعين المجردة وبالتالي فإن الصلة التي كان يفترضها الأقدمون ولا يزال المنجمون يأخذون بها بين نجوم البرج الواحد ليست صحيحة في الواقع، لقد حاول المنجمون في القرن العشرين إكتساب إحترام العلم، وكانت إحدى أهم المحاولات تلك التي قالت بوجود أمواج كهرمغنطيسية تؤثر بها الأجسام السماوية على الحياة الأرضية، والمنجمون الذين يتبعون هذه المقولة يعتبرون أنفسهم أصحاب علم جديد هو "النجامة الحديثة" ويميزون أنفسهم عن المنجمين القدماء مثل بطلميوس أو كبلر. ومع ذلك، فإن منجمين كثيرين إضافة إلى غالبية الجماهير نبذت هذه النجامة الجديدة وكانت ردة الفعل معاكسة تماماً للمتوقع على هذه المحاولة العلمية! فالنجامة هي علم روحي كما يزعمون، والروح لا يمكن أن تخضع يوماً لأي إطار علمي ويعكس ذلك في الواقع مدى تمسك الانسان عبر هذه النجامة التقليدية بما هو بالنسبة له حل نفسي لما يعاني منه من شعور بالإنفصال عن هذا العالم، لكن هذه الرياضيات كانت ملاذ المدرسة التنجيمية العلمية من أجل برهان صلاحية النجامة بتطبيق الطرق الإحصائية عليها، وهكذا لجأ هؤلاء إلى الحاسوب وظهر عام 1970 في الولايات المتحدة كتاب بعنوان "رموز الشمس" بيع منه نحو مليون نسخة، وتؤكد فيه مؤلفته ليندا غودمان: إن الشمس هي أكثر النجوم والأجسام السماوية تأثيراً، بحيث يمكن وضع جدول محدد تماماً لشخصية فرد وُلد في اللحظة التي كانت الشمس تعطي طاقتها تحت التأثير غير المرئي لرمز نجامي معين، فإهتزازاتها الكهرمغنطيسية تستمر بتشكيل شخصية الفرد على إمتداد حياته تبعاً لبرجه النجامي ويمكن إعتبار هذه الأفكار الساذجة إنما ذات الرواج أفضل ما توصل إليه المنجمون الملتفون برداء العلم! وقد إستفادت هذه الأفكار من التقدم العلمي الذي حققه الفلكيون، فبعض الظاهرات المرتبطة بالنشاط الشمسي لها تأثير مباشر على الأرض، فالثوارنات الشمسية المرتبطة بظاهرة البقع الشمسية هي سبب تشويش البث الراديوي كما والشفق القطبي، وعلى الرغم من أنه لا علاقة لهذه البقع بالنجامة، لكن المنجمين سرعان ما تمسكوا بها كما يتعلق الغريق بقشة للقول بتأثير شمسي مباشر على الانسان وإعتبارها بالتالي كإثبات على مبادئ النجامة وبالمقابل، ولجهل المنجمين بالعلم وتفاصيله الأوسع فإنهم لم ينتبهوا إلى أن الأرض مغمورة دائماً بدفق الأشعة الكونية عالية الطاقة والتي كان بإمكانهم إعتبارها كمصدر لتأثير نجومي بعيد! وقد حاول النجاميون إيجاد توافقات أخرى بين التأثيرات العلمية المعروفة وأشكال التأثير النجامي فدرس جون نيلسون إمكانية إرتباط الاتصالات اللاسلكية بمواضع النجوم وأعلن عام 1951 أن النقل السيء للإتصالات ينجم عن وجود كوكبين من الكواكب الداخلية الستة في وضعيات التقابل أو الاقتران أو الترابع وبحسب نيلسون يكون إحتمال تشويش الاتصالات كبيراً في هذه الوضعيات التي تكون هي سببه المباشر في 93% من الحالات، لكن تحليلاً حديثاً بيّن لسوء حظ النجاميين أن هذا الأثر يتعلق بالطريقة التي تمت بها الحسابات؛ فعدد تكرار هذه الوضعيات خلال السنة كبير جداً وهو أعلى بكثير من عدد أيام حدوث التشويش مما يلغي قيمة مثل هذه الفرضية، والحق أن النجاميين لم يكونوا أبداً بمستوى تقديم أفكار علمية حقيقية داعمة لأفكارهم، ويعتبر ذلك منطقياً لأن من سيفكر بجدية بالنجامة بشكل علمي سينتهي إلى الإقرار بزيفها وبطلانها! ومع ذلك فقد وجد النجاميون أن التحليل الإحصائي قد يفيدهم في إقناع جمهور أوسع من الزبائن! فمثلاً يقول المنجمون إن الصفات المرتبطة بشخص مولود عندما تكون الشمس في برج الحمل هي القوة والطاقة، وبالتالي يكون مواليد هذا البرج طموحين ومفعمين بالحماسة ومتصلبين! وهكذا قام المنجمان إيزابيل باجان وآلان ليو  بجرد مشاهير مواليد برج الحمل (مثل ليوناردو دا فينشي، جوزيف هايدن، هنري جيمس، فينسانت فان كوخ، أرتورو توسكانيني، شارلي شابلن، مارلون براندو...)، ليبينوا بذلك برهان تنبؤات الطوالع النجامية فهؤلاء كلهم كانوا فعلاً طموحين وحققوا نجاحات كبيرة ومع ذلك فإن قائمة أخرى يعطيها المؤلفان لمشاهير برج الجدي (بول سيزان، هنري ماتيس، بابلو كازال، كاري غرانت، اسحق نيوتن، بنيامين فرانكلين...) تكشف عن طموحات ونجاحات لا تقل شأناً في المجالات عينها! والرد على مثل هذه الاحصائيات المخادعة والساذجة بسيط، فكم من المواليد الذين ولدوا مع كل من هؤلاء المشاهير في اللحظة عينها إنما كانوا بلا طموح ولم يحققوا نجاحات تذكر؟ بل كم من التوائم كانت حياتهم مختلفة بنسب عالية في إنجازاتها وطبائعها؟ فهل يكون الإبداع بهذه البساطة مجرد تحديد نجامي مسبق لا أثر فيه لطاقة ذات معنى إنساني؟ إن هذه الطريقة في تجميع أسماء المشاهير لا تعني ولا تبرهن شيئاً أبداً، وربما كانت الطريقة الأفضل هي أخذ مجموعة من المشاهير في مجال معين، كالعلماء أو الرسامين مثلاً، ورؤية ما إذا كان يوجد بينهم أغلبية من مواليد برج معين كما تفترض النجامة وقد درس فعلاً فرانسوورث  تاريخ ولادة أكثر من ألفي موسيقي ورسام ووفق النجامة فإن برج الميزان هو الذي يسيطر على معظم هؤلاء الفنانين، لكن التحليل الإحصائي لم يكشف عن مثل هذه النسبة المتفوقة أبداً وجرد عالم الفلك آلن هينك  الموسوعة الأمريكية للعلماء لمعرفة تاريخ ولادة أكبر عدد منهم، وتبين أن هذه التواريخ موزعة عشوائياً على الأبراج كافة، كذلك بينت دراسة تاريخ ولادة 623 قاتل فرنسي أن توزعهم عشوائي أيضاً في حين أن النجامة تضع شروطاً أهمها ولادتهم بتأثير وجود المريخ، وبينت الدراسة عدم صحة ذلك! كذلك حاول عالم النفس ميشيل غوكلان العثور على علاقات نجامية بدراسات دقيقة وموسعة وعلى الرغم من أنه ظن في البداية أنه توصل إلى نتيجة مفاجئة، لكن الأبحاث التالية وبخاصة التي أجريت بإشراف بول كودرك، بينت أن حسابات غوكلان كانت ناجمة عن تأرجحات إحصائية حسابية، إن الدراسات التي حاولت إختبار تنبؤات النجامة لا تحصى ولعل أشهرها ما كان يتعلق بأطوار القمر لما له بحسب النجامة من تأثير على حياة البشر ومن هذه الدراسات ما تم من أبحاث ترتكز على سجلات الشرطة أو رجال المطافئ أو المستشفيات النفسية، فلم يعثر على صلة بين أطوار القمر وعدد الجرائم أو الجنح أو الحلات النفسية غير الطبيعية وذهب بعض العلماء إلى أبعد من ذلك فأبرموا مع بعض النجاميين اتفاقاً لاختبار النجامة. وكانت التجربة الشهيرة في هذا المجال والتي لم يستطع النجامييون أنفسهم الاعتراض عليها هي التي قام بها شون كارلسون  من جامعة بركلي  بالتعاون الوثيق مع الجمعية الرئيسية للنجاميين في أمريكا ونشرت نتائجها عام 1985 في المجلة العلمية الرفيعة المستوى والجادة  وكانت التجربة تهدف إلى إختبار إمكانية إستخراج صورة نفسانية صحيحة لفرد من طالعه البرجي وذلك بشكل عشوائي، فطُلب من نجاميين أن يختاروا من بين ثلاث نتائج لإختبار الشخصية النتيجة التي توافق الصورة النفسية التي كانوا قد إستخرجوها من الطالع الفلكي وبشكل معاكس كان على مجموعة من الناس أن تنتقي من بين ثلاث صور نجامية الشخصية التي توافق طالعهم الخاص، ولم تعطي التجربة أية نتيجة إيجابية فشخص واحد من ثلاثة إختار الشخصية المأخوذة فعلاً من طالعه، ومنجم واحد من ثلاثة إنتقى الاختبار الصحيح للشخصية بالنسبة للصورة النجامية، وهذا يوافق بالضبط نتيجة إجراء سحب بالقرعة وكان ذلك برهاناً واضحاً على أن النجامي، كما كان يقول فولتيرما كان لينال ميزة أن يخطئ دائماً وذلك لأنه إنما بالحظ كان يعطي الاجابة الصحيحة أحياناً وهذا ما يؤكده القديس أغوسطينوس بقوله: لا يوجد فن تنجيمي، فإذا تم التنبؤ بشكل صحيح فبالصدفة المحضة وما أجمل أن نجد هذه النتيجة عند بعض علماء العرب والمسلمين كي نحذو حذوهم ممن كانوا رافضين للتنجيم ومنهم الفارابي وابن سينا وابن حزم الاندلسي، ولهذا الأخير نص علمي أورده في كتابه الشهير "الفصل في الملل والأهواء والنحل": زعم قوم أن الفلك والنجوم تعقل وأنها ترى وتسمع؛ وهذه دعوى بلا برهان وصحة الحكم أن النجوم لا تعقل أصلاً وأن حركتها أبداً على رتبة واحدة لا تتبدل وهذه صفة الجماد الذي لا خيار له، ليس للنجوم تأثير على أعمالنا ولا عقل لها تدبرنا به؛ إلا إذا كان المقصود أنه تدبرنا طبيعياً بقدرة الله ومشيئته كتدبير الغذاء لنا، وكتدبير الماء والهواء، ونحو أثرها في المد والجزر، وكتأثير الشمس في عكس الحر وتصعيد الرطوبات، وأخيراً فإن الاكتشافات المستمرة الحديثة تنقض يوماً بعد يوم ما تبقى من موروث النجامة، فقد بات معروفاً الدور الأساسي للمورثات في تحديد المظهر الفيزيائي والنمطي للبشريات والحيوانات، فالتوائم الحقيقية مثلاً مرتبطة فعلاً بمورثات تجعل الكثير من صفاتها شبه متطابقة، لكن لا أثر في ذلك للنجامة بالتأكيد ومع ذلك إذا كان العلماء ينفون عن النجامة الحالية أية صفة علمية لكنهم لا يبخسونها حقها في تطور العلوم في الحضارات القديمة، ويعتبرونها مصدراً هاماً لدراسة تطور الفكر البشري كما وتطور حاجاتنا النفسية.

للتواصل مع الموقع او للاستشارات يرجى الاتصال على الارقام التالية 00611821604-009613542988 009613850534 -فايبر السكايبي- mahmoud almougraby